السيد أحمد الهاشمي

227

جواهر البلاغة

بلاغة التشبيه « 1 » وبعض ما أثر منه عن العرب والمحدثين تنشأ بلاغة التشبيه : من أنه ينتقل بك من الشيء نفسه ، إلى شيء طريف يشبهه ، أو صورة بارعة تمثله . وكلما كان هذا الانتقال بعيدا ، قليل الخطور بالبال ، أو ممتزجا بقليل أو كثير من الخيال ، كان التشبيه أروع للنفس ، وأدعى إلى إعجابها واهتزازها . فإذا قلت : فلان يشبه فلانا في الطول ، أو إنّ الأرض تشبه الكرة في الشكل ، لم يكن في هذه التشبيهات أثر للبلاغة ، لظهور المشابهة ، وعدم احتياج العثور عليها إلى براعة ، وجهد أدبيّ ، ولخلوّها من الخيال . وهذا الضرب من التشبيه : يقصد به البيان والإيضاح ، وتقريب الشيء إلى الأفهام ، وأكثر ما يستعمل في العلوم والفنون . ولكنك تأخذك روعة التشبيه ، حينما تسمع قول المعرّي يصف نجما : [ الخفيف ] يسرع اللمح في احمرار كما تس * رع في اللمح مقلة الغضبان فإن تشبيه لمحات النجم وتألقه مع احمرار ضوئه ، بسرعة لمحة الغضبان من التشبيهات النادرة ، الّتي لا تنقاد إلا لأديب ، ومن ذلك قول الشاعر : [ الخفيف ] وكأن النجوم بين دجاها * سنن لاح بينهنّ ابتداع فإن جمال هذا التشبيه : جاء من شعورك ببراعة الشاعر ، وحذقه في عقد المشابهة بين حالتين ، ما كان يخطر بالبال تشابههما ، وهما حالة النجوم في رقعة الليل ، بحال السنن الدّينية الصحيحة ، متفرقة بين البدع الباطلة .

--> ( 1 ) . التشبيه مع ما فيه من ميزة الإيجاز في اللفظ يفيد المبالغة في الوصف . ويخرج الخفي إلى الجلي والمعقول إلى المحسوس ، ويجعل التافة نفيسا ، والنفيس تافها ويدني البعيد من القريب ، ويزيد المعنى وضوحا ، ويكسبه تأكيدا ، فيكون أوقع في النفس وأثبت ، وله روعة الجمال والجلال .